فخر الدين الرازي

70

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( وما يعقلها إلا العالمون ) * . يعني حقيقتها وكون الأمر كذلك لا يعلمه إلا من حصل له العلم ببطلان ما سوى الله وفساد عبادة ما عداه ، وفيه معنى حكمي وهو أن العلم الحدسي يعلمه العاقل والعلم الفكري الدقيق يعقله العالم ، وذلك لأن العاقل إذا عرض عليه أمر ظاهر أدركه كما هو بكنهه لكون المدرك ظاهراً وكون المدرك عاقلاً ، ولا يحتاج إلى كونه عالماً بأشياء قبله ، وأما الدقيق فيحتاج إلى علم سابق فلا بد من عالم ، ثم إنه قد يكون دقيقاً في غاية الدقة فيدركه ولا يدركه بتمامه ويعقله إذا كان عالماً . إذا علم هذا فقوله : * ( وما يعقلها إلا العالمون ) * يعني هو ضرب للناس أمثالاً وحقيقتها وما فيها من الفوائد بأسرها فلا يدركها إلا العلماء . ثم إنه تعالى لما أمر الخلق بالإيمان وأظهر الحق بالبرهان ولم يأت الكفار بما أمرهم به وقص عليهم قصصاً فيها عبر ، وأنذرهم على كفرهم بإهلاك من غبر ، وبين ضعف دليلهم بالتمثيل ، ولم يهتدوا بذلك إلى سواء السبيل ، وحصل يأس الناس عنهم سلَّى المؤمنين بقوله : * ( خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِى ذلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ) * . يعني إن لم يؤمنوا هم لا يورث كفرهم شكاً في صحة دينكم ، ولا يؤثر شكهم في قوة يقينكم ، فإن خلق الله السماوات والأرض بالحق للمؤمنين بيان ظاهر ، وبرهان باهر ، وإن لم يؤمن به على وجه الأرض كافر ، وفي الآية مسألة يتبين بها تفسير الآية ، وهي أن الله تعالى كيف خص الآية في خلق السماوات والأرض بالمؤمنين مع أن في خلقهما آية لكل عاقل كما قال الله تعالى : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) * ( لقمان : 25 ) وقال الله تعالى : * ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار - إلى أن قال - لآيات لقوم يعقلون ) * ( البقرة : 164 ) فنقول خلق السماوات والأرض آية لكل عاقل وخلقهما بالحق آية للمؤمنين فحسب ، وبيانه من حيث النقل والعقل ، أما النقل فقوله تعالى : * ( ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون ) * ( الدخان : 39 ) أخرج أكثر الناس عن العلم يكون خلقهما بالحق مع أنه أثبت علم الكل بأنه خلقهما حيث قال : * ( ولئن سألتهم من خلق السماوات الأرض ليقولن الله ) * وأما العقل فهو أن العاقل أول ما ينظر إلى خلق السماوات والأرض ويعلم أن لهما خالقاً وهو الله ثم من يهديه الله لا يقطع النظر عنهما عند مجرد ذلك ، بل يقول إنه خلقهما متقناً محكماً وهو المراد بقوله * ( بالحق ) * ، لأن ما لا يكون على وجه الإحكام يفسد ويبطل فيكون باطلاً ، وإذا علم أنه خلقهما متقناً يقول إنه قادر كامل حيث خلق وعالم علمه شامل حيث أتقن